تقرير ـ سيف النصر
في الذاكرة السياسية للشعوب، ثمة قادة يخلدهم التاريخ لا بما
أنجزوه من فوق كراسي الحكم، بل بالأمل الكبير الذي زرعوه في نفوس الملايين قبل أن يصلوا إليها. يُعد الرئيس البرازيلي الأسبق “تانكريدو نيفيس” أيقونة هذا الطراز من القادة؛ فالرجل الذي هندس بذكائه وهدوئه العبور السلمي للبرازيل من ظلمات الحكم العسكري إلى أنوار الديمقراطية، خطفه الموت في لحظة درامية فارقة، قبل ليلة واحدة من اعتلائه منصة الحكم الرسمية عام 1985.
تحول نيفيس في الوجدان البرازيلي من مجرد رئيس منتخب إلى “شهيد الديمقراطية”، وبقيت مواقفه الإنسانية والسياسية نموذجاً يُحتذى به في “الجدعنة” السياسية والوفاء للمبادئ.
رجل التسويات الذكية.. حين أنقذ البلاد بـ “ابتسامة”
عُرف نيفيس بقدرته الفائقة على ترويض الأزمات الكبرى دون إراقة دماء، مستخدماً سلاح الحوار والصبر:
امتصاص غضب الجنرالات: في ذروة الانتقال السياسي، كان العسكريون يتوجسون خيفة من الانتقام. التقى نيفيس بقادتهم وفي جلسة اتسمت بالصراحة، نزع فتيل الأزمة حين قال لهم بلهجته الأبوية الدافئة: “نحن لا نبني وطناً بفتح السجون، بل بفتح الأبواب.. الماضي للتاريخ والمستقبل للشعب”. هذه الكلمات المهدئة جعلت الجيش يسلم السلطة بسلاسة لم تحدث في دول الجوار.
السياسي العابر للانقسامات: في بلد مزقته الاستقطابات، كان تانكريدو يمتلك قدرة عجيبة على جمع الأخصام في غرفة واحدة. يُروى عنه أنه استضاف قطبين سياسيين رفضا التصافح لسنوات، فبدأ اللقاء بالحديث عن ذكريات طفولتهم المشتركة وأكلاتهما المفضلة، محولاً الخصومة السياسية إلى حوار إنساني دافئ انتهى باتفاق تاريخي.
الوفاء في اللحظات الأخيرة.. كواليس الصمود الإنساني
تجلت “جدعنة” نيفيس وشهامته في أيامه الأخيرة، حيث فضّل مصلحة وطنه واستقراره على سلامته الشخصية:
إخفاء الأمل الحارق: قبيل حفل التنصيب بأيام، بدأ يشعر بآلام مبرحة في البطن جراء ورم حميد تفاقم سريعاً. رفض تانكريدو بشكل قاطع الذهاب إلى المستشفى أو تأجيل المراسم، وكان يهمس لطبيبه الخاص: “البرازيل انتظرت 21 عاماً لترى رئيساً مدنياً.. إذا تراجعت الآن، قد يعود العسكر مستغلين الفراغ. سأتحمل الألم حتى يؤدي نائبي اليمين معي”.
المعركة الأخيرة في المشفى: حتى وهو على فراش الموت يصارع المرض، كان حريصاً على طمأنة شعبه. انتشرت له صورة شهيرة وهو جالس في المشفى محاطاً بالفريق الطبي يبتسم بضعف، ليرسل رسالة صامتة للبرازيليين تقول: “أنا معكم، فلا تقلقوا على مستقبل البلاد”.
ليلة بكت فيها البرازيل.. الغياب الحاضر
في 21 أبريل 1985، صعدت روح تانكريدو نيفيس إلى بارئها، وتحولت احتفالات العيد الديمقراطي إلى مأتم قومي مهيب. نزل الملايين إلى الشوارع لا لتوديع رئيس، بل لتشييع حلم أحيا فيهم روح الحرية والكرامة.
رحل نيفيس دون أن يوقع مرسوماً رئاسياً واحداً، لكنه ترك خلفه دستوراً غير مكتوب في قلوب البرازيليين، عنوانه: “السياسة أخلاق، والقيادة تضحية















Leave a Reply