Advertisement

رحيل ….وبقاء

محمود نصر

في وداع الراحل الصحفي الشاب محمود نصر الصحفي بجريدة اليوم السابع 

رحيل …وبقاء

هيام عبدالعزيز…. تكتب 

الكتابة عن رحيل إنسان محبوب، هي محاولة لإنقاذ أثره من الغياب.

رحيل مبكر… وبقاء لا ينتهي

إنها قصة صحفي شاب جاء من الصعيد يحمل حلمه… ورحل يحمل حب الجميع

لم يكن مجرد صحفي شاب رحل في صمت… بل كان حالة إنسانية نادرة، تشبه الضوء حين يظهر فجأة في مكان مظلم، فيجعله أقل قسوة، وأكثر دفئًا.
قبل خمسة عشر عاما، جاء من الصعيد…
يحمل في قلبه أحلامًا أكبر من عمره، وفي عينيه إصرار لا يلين، وفي خطواته خجل جميل يشبه خجل القادمين من الريف حين يقفون لأول مرة أمام زحام العاصمة وضجيجها.
جاء ليبدأ من الصفر… لا يملك سوى الموهبة، والجدية، والنية الصادقة أن يكون شيئًا يُذكر.
دخل قسم الحوادث متدرببا …
وقسم الحوادث ليس مكانا عاديا، بل مدرسة قاسية لا ترحم، لا تُعطي شهادات تقدير، بل تمنحك التجربة مباشرةً في قلب النار:
أخبار موت، دموع، ظلم، وجوه مكسورة، وأسرار موجعة… وأحيانا حياة كاملة تنهار في سطر واحد.
لكنه لم يخف.
لم يهرب.
بل كان كمن وجد نفسه في المكان الذي خُلق له.
كان شعلة نشاط… لا تهدأ
مع مرور الأيام لم يعد مجرد “متدرب” أو “شاب جديد”، بل صار روحًا تتحرك بين الجميع، يسبق الوقت، يلتقط التفاصيل قبل أن تسقط، ويجري وراء الحقيقة دون أن ينسى إنسانيته.
كان الصحفي الذي لا يقول “مش فاضي”، ولا يختبئ خلف الأعذار، ولا يهرب من المسؤولية.
كان إذا جاء الخبر… جاء معه الحماس، وإذا حضر الميدان… حضر معه الضمير.
والأجمل؟
أنه لم يكن ناجحًا فقط… بل كان محبوبًا.
القلوب لا تحب بلا سبب
فالحب الذي اكتسبه لم يكن نتيجة مجاملة، ولا نتيجة منصب، بل نتيجة أخلاق.
كان بسيطا رغم خبرته.
قريبًا رغم انشغاله.
حاضرا في لحظات الناس دون أن يطلب شيئًا.
كان يضحك ليخفف عن زملائه، ويقف بجانب من يتعب، ويسند من يقع، ويمنح الآخرين دفعة أمل دون أن يشعروا.
كأنه جاء ليقول للجميع:
“النجاح ممكن… والإنسانية ممكنة أيضًا.”
ثم جاء الخبر الذي لم يصدقه أحد
كيف يرحل من كان بالأمس يملأ المكان حركة؟
كيف يغيب من كان صوته حاضرًا في كل تفاصيل اليوم؟
كيف تنطفئ شعلة كانت تضيء الممرات بابتسامتها ونشاطها؟
رحل فجأة…
كأن القدر استعجله.
لم يمت فقط…
بل ترك فراغًا لا يملؤه أحد، لأن هناك أشخاصًا إذا غابوا لا يعوضهم الزمن، ولا تُشبههم الأيام.
مات جسدًا… وبقي أثرًا
قد يرحل الإنسان من الدنيا، لكن لا يرحل من القلوب.
وهو لم يكن شخصًا عاديًا حتى يمر رحيله مرور العابرين.
ترك خلفه سيرة طيبة، وذكرى نقية، واسمًا حين يُذكر يبتسم الناس ثم يسكتون، لأن الحزن يسبق الكلام.
كان الصحفي الذي لم يكتب فقط عن الحوادث…
بل عاش حياته دون أن يكون حادثًا في حياة الآخرين، بل كان نعمة.
من الصعيد جاء… وفي قلوب الجميع استقر
ربما لم يكن يملك في بدايته إلا حلمًا وشنطة سفر صغيرة،
لكنه امتلك شيئًا أعظم:
قلبًا صادقًا… وشرف المهنة… واحترام الناس.
واليوم، بعدما رحل، ندرك أن بعض البشر لا يُقاس عمرهم بعدد السنوات… بل بعدد القلوب التي تركوا فيها أثرًا.
وداعًا أيها الشاب الجميل
وداعًا أيها المجتهد الذي لم يخذل حلمه.
وداعًا أيها الطيب الذي لم ينس أصله.
وداعًا أيها الصحفي الذي كان يمشي بيننا وكأنه أخ للجميع.
رحلت… لكنك لم تغب.
فمن أحبوه كُثر…
ومن بكوك صادقون…
ومن دعوا لك اليوم، دعوا لأنهم يعرفون أنك كنت تستحق الحياة أكثر.
رحمك الله
رحم الله الصحفي الشاب الذي جاء من الصعيد ليكتب اسمه في المهنة…
فكتب اسمه في القلوب قبل الصفحات.
رحمك الله وجعل مثواك الجنة،
وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك،
وألهم أهلك وزملاءك الصبر والسكينة.
ستظل ذكراك حاضرة…
لأن الطيبين لا يموتون، بل يرحلون إلى السماء ويتركون الأرض تفتقدهم.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *