Advertisement

الأزهر الشريف بين الدبلوماسية المستقلة والتكريم الفكري: ملامح دور عابر للحدود

كتبت ـ وفاء حسني
يعيد الأزهر الشريف، تحت قيادة شيخ ومؤسسته الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، صياغة تموضعه الإقليمي والدولي كمنصة إشعاع تتجاوز الأدوار الفقهية التقليدية لتشتبك مباشرة مع المعطيات السياسية والدبلوماسية الراهنة. ويأتي الحراك المكثف للمشيخة اليوم ليؤكد رغبة المؤسسة في تعزيز استقلاليتها الفكرية وتمديد مظلتها الدعوية والثقافية إلى عمق القارة الأوروبية والمؤسسات المحلية.
تتبع في هذا التقرير التحليلي أبعاد الحراك الدبلوماسي والفكري للأزهر الشريف من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
الدبلوماسية الموازية.. التمدد في بولندا والملف الأوروبي
مثّل استقبال الإمام الأكبر لمفتي بولندا، الشيخ توماش مشكيفيتش، خطوة متقدمة في استراتيجية “الدبلوماسية الإسلامية الناعمة” التي ينتهجها الأزهر. ووفقاً لمراقبين، فإن هذه الخطوة تحمل دلالات استراتيجية واضحة:
تفكيك الإسلاموفوبيا: يسعى الأزهر عبر طرح مبادرة “أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة” إلى صياغة خطاب إسلامي أوروبي محلي قادر على دمج الجاليات المسلمة دون ذوبان هويتها.
سد الفراغ المعرفي: تقديم منح دراسية وتأسيس مراكز لتعليم اللغة العربية في بولندا يهدف إلى قطع الطريق أمام التيارات المتطرفة التي تستغل غياب المرجعيات الوسطية.
الاشتباك مع قضايا العصر: التركيز على تدريب الأئمة الأوروبيين على ملفات حساسة مثل “التعايش، وقبول الآخر، ومكانة المرأة في الإسلام” يعكس وعي المشيخة بطبيعة الهواجس الغربية.
جائزة “شخصية العام 2026”.. أبعاد التكريم الفكري
جاء إعلان المؤتمر الدولي لمعامل التأثير العربي اختيار الشيخ أحمد الطيب “شخصية العام 2026” ليضع جهود الإمام الأكبر تحت مجهر التقييم الأكاديمي الدولي. ويرى باحثون أن التكريم يتجاوز البعد الرمزي إلى أبعاد جوهرية:
الوسطية كمعيار علمي: الاعتراف بمسيرة الإمام الفكرية في ترسيخ قيم “الأخوة الإنسانية” والتعايش السلمي.
ربط التراث بالرقمنة: تزامن التكريم مع مناقشات “الاقتصاد الإسلامي والتحول الرقمي” يبرز محاولات الأزهر المستمرة لتحديث آلياته الفقهية ومواكبة الثورة التكنولوجية.
التنسيق مع مؤسسات الدولة وسقوف الخطاب الإعلامي
في البعد الداخلي، حمل لقاء شيخ الأزهر مع رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، السفير علاء يوسف، رسائل واضحة بشأن طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية وجهاز الإعلام الرسمي للدولة:
تكامل الأدوار لا التبعية: أكد الإمام الأكبر انفتاح الأزهر على التعاون مع المؤسسات الوطنية، مشترطاً أن يضطلع الإعلام بدور “هادف” يرسخ الوعي المجتمعي ويفند الصور النمطية المغلوطة.
تصوير الجولات الخارجية: يسعى الأزهر للاستفادة من الإمكانات اللوجستية لهيئة الاستعلامات لتسويق خطابه المعتدل إقليمياً ودولياً، خاصة بعد النجاحات التي حققتها جولات الشيخ الطيب السابقة في العواصم الأوروبية
تثبت التحركات المتواترة لمشيخة الأزهر أنها لا تعمل كجهة تنفيذية، بل ككيان قيمي مستقل يملك رؤية واضحة لإدارة “التنوع الثقافي والديني”. ومن خلال الجمع بين الدعم الميداني للأقليات المسلمة في الغرب، وحصد الجوائز الفكرية، وتوجيه الرسائل للإعلام المحلي، يرسخ الشيخ أحمد الطيب مكانة الأزهر كلاعب لا يمكن تجاوزه في هندسة العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *